عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

162

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

متمسكا بحبل متابعة يحيى بن معاذ الرازي ، ثم بعد ذلك رغب في صحبة « شاه الكرماني » ، ولازم عتبته إلى أن قبله ، ثم بعد ما ورد مع الشاه بنيسابور ، ورأى الشيخ أبا حفص الحداد ، وقع على شبكته فاحتال إلى أن استوهبه « أبو حفص » عن الشاه ، فوهبه منه فصحب الحداد ، واستمسك بعروته الوثقى وبلغ مبلغ الرجال . وأنت لقد تحجرت واسعا إذ خصصت تعلق الإرادة بشيخ واحد . لأنا نقول : كما أن الولادة والتربية تتعلق على الحقيقة بالوالدين ولكن تتفاوت حال الولادة والتربية تفاوتا فاحشا . فإن تعلق الولادة تعلق لا يشارك الوالدين فيه غيرهما ولا يقوم أحد مقامهما وتعلق التربية تعلق يمكن أن يشاركهما فيه غيرهما . فإنه كثيرا ما يتفق أن يربى الصبي غير الوالدين ويرضع الطير لا الوالدة ، فكذلك حال جنين العبودية في رحم إرادة المريد يتعلق ظهوره وانعقاده على حسب تقدم الحق سبحانه وتعالى بشيخ ، فإذا تولد الجنين الذي هو السالك حقيقة وصلح لتربيته غيره يمكنه أن يسترضع عن شيخ هو كالطير التي يقوم مقام الأم وهذا أيضا من خفيات لطائف الحق ودقائق دارقيته وحينئذ يتولى تربيته شيخ آخر ، إما بسبب وفاة شيخه كما كان حال الشيخ أبي النجيب السهروردي - رضي اللّه عنه - ، فإنه لما مات شيخه أحمد الغزالي ، استفاد بإشارته بعده عن الشيخ حماد الدباس ، وإما بسبب رزقه عن تربية شيخ آخر ساقه القدر إليه ، كما كان حال الشيخ أبي عثمان الحيري . أما إذا كان جنين العبودية بعد في الانعقاد وما تم بولده فلو اتصل بشيخ آخر فسد حاله وسقط الجنين سقطا فلا يصلح منه شيء ويبقى مع تصرفات النفس ، فإن غلبت عليه أهلكته ، وإن لم تغلب عليه بل انقادت لقلبه دخل الجنة وصار من أهلها واشتغل بنعيمها وفاز بالذي اشتهت به نفسه . قال اللّه تعالى : إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ ( 55 ) [ يس : 55 ] وقال : وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ [ فصّلت : 31 ] . فإن مات الشيخ وهو بعد في إرادته وما تم الانعقاد ، فإن ساعده القدر وأدركته العناية لزم خدمة شيخ مناسب الولاية شيخه من غير فترة ، فيتصل تصرفه بتصرف شيخه فيستنتجه كالبيضة التي كانت مدة تحت دجاجة مثلها من غير فترة أخرجت الفرخ ، وإن وقعت فترة بردت البيضة فيها فسدت ، فأما إذا كان المريد فيها تحت تصرف شيخ فأزاغه الشيطان إلى إرادة شيخ آخر انقطع عنه واتصل بالآخر فأبى للحق سبحانه أن يكلمه بذلك الآخر سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ( 23 ) [ الفتح : 23 ] ويستحيل أن